الخطيب الشربيني
690
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عنهم القحط قَلِيلًا أي : زمنا يسيرا ، قيل : إلى يوم بدر ، وقيل : ما بقي من أعمارهم إِنَّكُمْ عائِدُونَ أي : ثابت عودكم عقب كشفنا عنكم إلى الكفران لما في جبلاتكم من العوج وطبائعكم من المبادرة إلى الزلل ، فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل . وقوله تعالى : يَوْمَ نَبْطِشُ أي : بما لنا من العظمة الْبَطْشَةَ الْكُبْرى أي : يوم بدر منصوب باذكر أو بدل من يوم تأتي ، والبطش : الأخذ بقوة إِنَّا مُنْتَقِمُونَ أي : منهم في ذلك اليوم وهو قول ابن عباس وأكثر العلماء وفي رواية عن ابن عباس : أنه يوم القيامة . وَلَقَدْ فَتَنَّا أي : اختبرنا بما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم حقيقة الحال بالإبلاء والتمكين ثم الإرسال قَبْلَهُمْ أي : هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ أي : مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا وسيأتي التصريح به في آخر القصة وَجاءَهُمْ أي : فرعون وقومه زيادة في فتنتهم رَسُولٌ كَرِيمٌ هو موسى عليه السّلام قال الكلبي : كريم على ربه بمعنى أنه تعالى أعطاه أنواعا كثيرة من الإكرام ، وقال مقاتل : حسن الخلق ، وقال الفراء : يقال فلان كريم قومه ، قيل : ما بعث نبي إلا من أشراف قومه وأكرمهم . ثم فسر ما بلغهم من الرسالة بقوله : أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ ما أدعوكم إليه من الإيمان أي : أظهروا طاعتكم بالإيمان لي يا عِبادَ اللَّهِ أو أطلقوا بني إسرائيل ولا تعذبوهم وأرسلوهم معي كقوله فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ [ طه : 47 ] إِنِّي لَكُمْ أي : خاصة بسبب ذلك رَسُولٌ أي : من عند الله الذي لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه أَمِينٌ أي : بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل إلا من كان كذلك . وقوله عليه السّلام : [ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 19 إلى 39 ] وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 19 ) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ( 21 ) فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ( 27 ) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ( 28 ) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ( 30 ) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 31 ) وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 32 ) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ ( 33 ) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ( 34 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( 35 ) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 36 ) أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ ( 37 ) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 38 ) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 39 ) . وَأَنْ لا تَعْلُوا معطوف على أنّ الأولى وأن هذه مقطوعة في الرسم ، والمعنى لا تتكبروا عَلَى اللَّهِ تعالى بإهانة وحيه ورسوله إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ أي : برهان مُبِينٍ أي : بين على رسالتي فتوعدوه حين قال لهم ذلك بالرجم فقال : وَإِنِّي عُذْتُ أي : اعتصمت وامتنعت بِرَبِّي الذي رباني على ما اقتضاه لطفه وإحسانه إلي وَرَبِّكُمْ الذي أعاذني من تكبركم وقوة مكنتكم أَنْ تَرْجُمُونِ أي : أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي فإني قلت : إني أخاف أن يقتلون فقال